دعم الموسوعة:
Menu
Category: سلسلة الشرايع
Editor: شيخ حسن رضا الغديري
Pages: 87
ISBN: 9781902490663
Library: مكتبة الإمام الحسين الخاصة - لندن
Location: بيت العلم للنابهين، بيروت - لبنان
Year: 2009

Hits: 8655

Lent status: Available

Availability: 0/0

 5 / 1
PoorBest 

Review

والبعض یؤصّل لشریعة الإرهاب!

 هناک ملازمة حقیقیة فعلیة بین الأمن والرفاه، فلا رفاه اقتصادی بوجود الفوضى، ولا رفاه اجتماعی بغیاب الأمن، ولا نشأة طبیعیة مع حضور أدواة الرعب، فالحیاة لا تسمى حیاة إن لم یصاحبها الأمن کالظل من الإنسان، فهی أسم على مسمى، فإن غاب الأمن أصبحت الحیاة جحیما لا یطاق، وإن عاث الفاسد فی بلد قال الفقر أنا عضیدک، وقال الکفر خذنی معک، وقال القهر أنا حلیفک، وقال الظلم أنا خلیلک، وقالت الفوضى أنا شعارک، وقال الخراب أنا دثارک، وقالت الحیاة أنا طلیقتک بالثلاث، ولا أمن ولا رفاه ولا سلام بعد طلاق الحیاة، فالأمن من الحیاة کالروح من الإنسان، وإن عاش المرء تحت وطأة القهر والإرعاب عاش میت الروح، إلا أن ینتشل نفسه من مقبرة الحیاة بالوقوف أمام جحفل الرعب بعزم ثابت أو الهجرة إلى بلد یجد فیه حیاته وأمنه.   وناشر الرعب فردا کان أو جماعة، حاکما کان أو محکوما هو ناشر الموت، فالإرهاب یعادل من حیث المؤدى الموت الزؤام، ولا یقتصر الموت على ذهاب الروح، فالکلمة المرعبة موت، والفعل المرعب موت، والأداء المرعب موت، والنظرة المرعبة موت، وأفضع الإرهاب قتل النفس المحترمة، فهو موت الأمة وموت البشریة، من هنا کان ولازال: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَیْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِی الأَرْضِ فَکَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِیعاً وَمَنْ أَحْیَاهَا فَکَأَنَّمَا أَحْیَا النَّاسَ جَمِیعا) المائدة: 32، ومن هناک کان القصاص من الجانی والمفسد والإرهابی حیاة الأمة وحیاة البشریة جمعاء: (وَلَکُمْ فِی الْقِصَاصِ حَیَاةٌ یَا أُوْلِی الأَلْبَابِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: 179،

ولما کان الظلم قائما وهو إرهاب وإرعاب کان النضال السیاسی حاضرا، ولما کان الإحتلال یدوس بجزمته أرض الوطن وهو إرهاب وإرعاب کانت المقاومة المشروعة قائمة فی ضمیر الأمة، فلیس النضال إرهابا ولا المقاومة إرعابا، ولکن أدواتها تحددها المصلحة العامة وتقودها قیادة شرعیة، وإلا عمت الفوضى وصار القتل نضالاً والانتحار استشهاداً، وتفجیر المفخخات فی الأسواق جهاداً، وساد الرعب وغاب الأمن وتاهت الأمة بین ظالم حاکم وثوری یبحث عن نجاة من بین أنقاض الخراب وهو یحسب أنه یحسن صنعا، وخاب ما أتى به من الفساد تحت دعوى الجهاد، وتقلّت الأمة وانسلخ جلدها على صفیح مقاومة ساخنة لا یُعرف لها صدر رحیم ولا رأس حکیم!   فالرعب یقف بالضد من الأمن، والإرهاب عدو السلام، والإسلام هو السلام والسلام هو الإسلام وغیره عیال علیه، ومن یجنح إلى الإرهاب بالکلمة أو الرصاصة فهو عدو السلام والإسلام وإن انتسب إلیه إسما ومارس طقوسه فعلا، وحلّق شاربا أو قصر ذیلا، أو لبس عمّة أو تمنطق سروالاً، ومعظم هؤلاء تدفعهم سیاسات خارجیة لا ترید للإسلام خیراً تتعب الأبدان وتخرّب البلدان.   فالإسلام شرعة ومنهاج، وحتى ندرک قیمة نور السلام ووخامة ظلام الإرهاب، یضع الفقیه آیة الله الشیخ محمد صادق الکرباسی فی کتابه الجدید "شریعة الترهیب" النقاط على الحروف ویطلع القراء أناساً وحرکات وحکومات على الخیط الأبیض من الخیط الأسود من ثنائیة السلام والإرهاب، حتى لا تختلط الأمور ولا یؤخذ السلام بجریرة الإرهاب، ولا تتحول المقاومة المشروعة إلى إرهاب غاشم، ولا تصیّر الجریمة المنظمة إلى نضال مقنن، ولا یلبس الإنتحار لبوس الإستشهاد، فیخطأ الثوریُّ (!) بابَ الجنَّة.   والکتاب الذی صدر حدیثا عن بیت العلم للنابهین ببیروت فی 90 صفحة من القطع المتوسط قدَّم له وعلق علیه آیة الله الشیخ حسن رضا الغدیری، هو واحد من سلسلة (الشریعة) یضع الفقیه الکرباسی فی 146 مسألة شرعیة معاصرة مائزا بین مفهومی الترهیب المفترض والإرهاب المفروض، ویحدد معالم السلام الذی یتبناه الإسلام لإعمار الأرض وإحیاء النفوس وإدامة نمو الزرع والضرع، وکل ذی روح من إنسان وحیوان.  

• فهم خاطئ  

وبأسلوب جامع مانع یرى الفقیه الکرباسی أن الناس وقعوا ضحیة الخلط الفاحش بین معانی مفردة وأخرى، من حیث أن اللغة العربیة لغة المشتقات والبلاغة والمجاز، فلیست هناک مرادفات متطابقة المعنى مائة بالمائة، ولذلک فمن الخطأ الفاحش تطبیق مفردة على مصداق غیر مصداقها، ولذا یقع التحذیر من جانب المؤلف: "من الخلط بین استخدام الإرهاب وبین استخدام الترهیب والرهبة التی وردت فی القرآن الکریم، کما نرفض تفسیر مفرداتنا العربیة ومصطلحاتنا الإسلامیة من قبل أناس أجانب عن لغتنا وعقیدتنا".  

وبعد أن یستعرض الآیات التی ورد فیها جذر "رهب" ومشتقاته، یرى أنها تدخل فی عائلة المفردات التالیة:

  -       الخوف: هو مجرد الإحساس بالخطر واحتمال وقوعه وربما لا یتحقق، ویتعلق بالأفعال دون الأشخاص، ویقابله الرجاء.  

-       الفزع: هو أشد من الخوف، إذ ربما یرافقه إمارات قریبة على وقوعه شیء مهول، ویقابله الأمان.  

-       الخشیة: هو الخوف من نتائج عمل مع الخشوع لعظمة من بیده القدرة، ویقابله الطمأنینة.  

-       الوجل: هو الخوف من القلق، وهو حالة نفسیة ولا تکون له ظاهرة إلا عدم الإستقرار، وهو الآخر تقابله الطمأنینة.  

-       الهول: هو شدة الفزع، بمعنى أنه یعظم علیه الأمر فیزداد غمّه.  

-       الروع: هو الاضطراب مع الخوف بل مع الفزع، ویقابله الاستقرار بالاطمئنان.  

-       الرعب: حالة تتولد من شدة الخوف.  

-       الذعر: هو خوف ترافقه الدهشة، وتظهر على الإنسان علامات الدهشة والخوف معا.  

-       الحذر: هو التوقّی عما یخفیه.  

-       الرهبة: وتبطن الرهبة أمورا عدة، منها العلم بوقوع ما یرهبه الإنسان، وتلمس ما سیقع، واندهاش بخوف ممیّز، ولذلک دعا القرآن المسلمین إلى أخذ الحیطة وأن یکونوا على استعداد دائم لأی خطر داهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَیْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّکُمْ وَآخَرِینَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ یَعْلَمُهُمْ..) الأنفال: 60.  

فإعداد العدة لا یراد منه بث الرعب فی الآخرین، لأن الإسلام دین السلام، وهو یرید حیاة الإنسان لا موته، وبتقدیر الدکتور الکرباسی إنما: "جاءت کلمة الترهیب لحفظ التوازن، ولخلق مسألة معادلة الرعب، فالعدو إذا علم بقوتک لا یهاجمک ولا یباغتک للقضاء علیک بل دائما ینظر إلیک بالعظمة والقدرة والقوة فیضع نصب عینیه نتائج ذلک"، من هنا فإن الرفض قائم على عدم قبول ما یصدره لنا الآخر من مفهوم خاطئ لمعنى الترهیب فی الآیة الشریفة، فالتسلح من أجل موازنة قوة الآخر الظاهر منه والخفی حق، فالإسلام مسالم بطبعه ویرفض ظلم الآخر تحت دعوى الجهاد والنضال وفی الوقت نفسه لا یرضى وقوع الظلم علیه.  

• خوارج جدد!    

من الخطأ الفاحش معادلة الإنتحار بالإستشهاد بزعم النضال والمقاومة، وکما یؤکد الفقیه الکرباسی إن: "وصف المقتول بالعملیات الإنتحاریة بالشهید لا یجوز، إلا إذا کان بإذن حاکم الشرع فی حالات خاصة"، ویعلق الفقیه الغدیری على المسألة متسائلا باستغراب: "لا أدری کیف یأذن الشرع بالإنتحار، أو کیف تُسمى العملیة الإنتحاریة بالإستشهادیة؟ حاشاه من ذلک، فالإنتحار حرام من دون اسثناء فیه، فالعامل به عاص ومجرم، ومتجرّئ على مولاه".   أما ما یقع من تفجیرات هنا وهناک، فلا شک أنه إرهاب، ولکن نسبته إلى الإسلام فیه مغالطة کبیرة ذلک أن الإرهاب مادة مستوردة إلى الدائرة الإسلامیة الحقّة، ثم إن: "فکرة ما یسمى بالإرهاب بهذا الشکل جاءت من حضارات غیر إسلامیة ولم نجد فی تاریخ الإسلام مثیلا لها، فالتفجیرات وضرب المصالح العامة بدأت من حرکات غیر إسلامیة" وعلیه یضیف الفقیه الکرباسی: "إن أی مسلم یقوم بمثل هذه الأعمال إن کانت عن جهل وإغراء فحاله معلوم ویجب تعدیله وإقامته، وإن کان عن سابق إصرار فهو خارج عن الدین، وإذا ما حمل فکراً إرهابیا فإن کتلته تعد مارقة عن الدین أیضا، وهم خوارج العصر الحدیث".   أما تفسیر آیات القرآن التی ورد فیها القتال والجهاد فأمرها موکول إلى الفقهاء العدول وولاة الأمر من الراسخین فی العلم، لا إلى العیال على الفقه الإسلامی والفقراء لمائدته الثرّة التی یراد لها أن تکون نهبا لقطاع الدین من الشباب المتلفع بخرق بیضاء وسوداء أو ممن شاب على فهم خاطئ للدین فیفتی بغیر ما أنزل الله ومخالف للفطرة الإنسانیة فیفسّق هذا ویکفّر ذاک، فالآخر یقف من الإسلام موقفا معادیا استعمر من قبل بلدان المسلمین والیوم یضرب الإسلام بأید مسلمة.   کما من کبیر الخطأ الوقوع تحت تأثیر إعلام الذی ینسب الإرهاب إلى الإسلام لفهم خاطئ لآیات القرآن الکریم جهلاً أو تعمداً، لأن لدى الآخر من الآیات فی کتبهم المقدسة ما یدل غلظة وبشاعة وفضاعة، على أن کتب الآخر بنظر القرآن وقع فیها التحریف، ولاشک أن العنف من قتل الأطفال والنساء وقتل الأسیر وتعقب الجریح وقلع الأشجار وحرق المنازل الوارد فی کتب الآخر هو من هذا التحریف لأن رسالة أدیان السماء واحدة وهی السماحة والسلام والعفو عند المقدرة، ولذلک یرى الفقیه الکرباسی أنه: "لا یجوز نسبة عمل قامت به جماعة کلهم أو جلّهم من المسلمین إلى الإسلام، کما لا یجوز نسبة ذلک إلى الأدیان الأخرى".   • کلهم آمنون   عندما یصار تقنین البنود الفقهیة التی تحمی الإنسان وتحجره عن الوقوع تحت عجلة الإرهاب، فلا یراد منها الإنسان المسلم السوی فحسب، فکل دابة تمشی على وجه البسیطة داخلة فی نطاق الأمن والأمان، إذ: "لا یجوز إخافة الناس بأی شکل من الأشکال"، کما أنه: "لا یجوز الترهیب من قبل الدولة ولا من قبل الأفراد لأی کان، مسلما کان أو ذمیّا أو غیر ذلک"، بل فی المجالات الإنسانیة: "یجوز مساعدة غیر المسلمین، بل یستحب ذلک، ویجب إنقاذ الروح الإنسانیة وإن لم تکن مسلمة"، وحسب فهم المعلق الشیخ الغدیری: "تألیفا لقلوبهم وتقریبا لأنفسهم إلى الدین الحنیف، وکذلک لعموم الأدلة فی المسألة وإطلاقها مضافا إلى حکم العقل السلیم والفطرة الإنسانیة".   وفی هذا الإطار کما یؤکد الفقیه الکرباسی: "لا یجوز الخطف، مسلما کان المخطوف أو غیر مسلم"، وبتقدیر المعلق: "لما فیه من هتک الحرمة وسلب الحقوق والحریات، مضافا إلى الإیذاء المحرّم"، ولهذا یرى الفقیه الکرباسی أنه: "یتحمل الخاطف تبعات خطفه من الترویع والخسائر المالیة جرّاء توقف المخطوف عن العمل وأقل ضمانة ثمن المثل"، وتکثر حالات الخطف فی البلدان التی یغیب عنها أو یضعف فیها القانون، فالخطف محرم للمسلم وغیر المسلم، ولا یمکن تسویغه لغیر المسلم کما یفعل البعض ممن استقل قطار الجهاد فی الإتجاه المعاکس.   ولا تقتصر حرمة الترهیب على الإنسان المسلم وغیر المسلم، بل تتعداه إلى دائرة الحیوان، إذ لا یصح إیذاء عموم الحیوان، بل کما یقرر الکرباسی: "یحرّم ذبح الحیوان دون دلیل، کما یحرّم إیذاء الحیوان بأی شکل من الأشکال:، بل إن الحیوان الذی حلل الله للإنسان أکله، طلب منه الرأفة به عند الذبح، ولذلک یضیف الفقیه الکرباسی: "یکره ذبح الحیوان قبل أن یُسقى ماءاً. ولا یجوز ذبح الحیوان بالسکین غیر الحاد تجنباً لإیذاء الحیوان. ویُکره إراءة السکین للحیوان قبل ذبحه. ویُکره سلخ جلد الحیوان قبل أن یخرج تمام روحه من بدنه. ویُکره ذبح حیوان مقابل حیوان آخر. ویُکره للإنسان ذبح الحیوان الذی ربّاه بیدیه. ویحرّم استخدام الحیوانات فی الألعاب التی توجب إیذاء الحیوان إیذاءاً بالغاً؟   إذا کانت مثل هذه المحظورات والمحاذیر حاضرة فی التعامل مع الحیوان غیر العاقل الذی أحل الله لعباده تناول لحمه هنیئا مریئا، فکیف أجاز البعض لنفسه ذبح الإنسان بدماء باردة وبث حفلة الذبح الشیطانیة بالصورة والصوت للملأ عبر الشبکة العنکبوتیة تحت یافطة الجهاد المقدس ومقاومة الإحتلال وعملائه(!)   تساؤل عریض بعرض السماوات والأرض التی تهتز لقطرة دم تراق ظلما!