دعم الموسوعة:
Menu
Category: كتب استخرجت من الموسوعة
Editor: الشيخ عبد العزيز بن عبدالله حبيب
Pages: 172
Price: مجاناً للقراءة فقط
ISBN: ISBN: 9781908286185
Library: مكتبة الإمام الحسين الخاصة - لندن
Location: بيت العلم للنابهين، بيروت - لبنان
Year: 2004

Hits: 8946

Lent status: Available

Availability: 0/0

  / 0
PoorBest 

Review

قراءة تحلیلیة فی إنجیل الإسلام وزبوره

لا یطلب الخیر من حیث الجلوس فی رکن من أرکان الدار، ولا تطلب البرکة من حیث التقوقع فی زاویة من زوایا الصوامع والبیع والمساجد، فالخیر یظل حبیس الدار ما ظله صاحبه حبیس الدار رافعا یدیه یستنزل الغیث أو دفع ملمّة، عازفا عن الحیاة وأهلها، والبرکة تظل ترفرف بجناحیها عند بوابة المعابد ما ظل العابد فی صومعته یترصّد الخیر والبرکة تارکا عبء الحیاة وراءه.

وطالب الدنیا للدنیا، کطالب الآخرة للآخرة، فالأول ینقصه من الآخرة روحها وریحانها، کما ینقص الثانی من الدنیا کدها ونصبها، فلا تأتی الآخرة بزواج کاثولیکی للدنیا، کما لا تأتی الدنیا بطلاق بائن لها، فکلٌ لازمٌ وملزومٌ له، والأمر بَینَ بَین، ومن أحسن الزواج وأصاب العزل دون الطلاق، جمع الإثنین، وفاز باللذتین وظفر بالحظوتین، إذ المرء مرهون بین اثنتین بین أن یعمل لدنیاه کأنه یعیش أبدا، وبین أن یعمل لآخرته کأنه یموت غدا، فهو کمن ظن الخلود فی دار الدنیا فحرص على حرثها ومن ظن الخلود فی الآخرة فحرص على حصدها، وبین الحرث والحصاد، تتأرجح حیاة المرء بین الخلود الى الأرض والعروج الى السماء، یخلد بعروج عمله الصالح نحو السماء، وینطلق من اسر الدنیا بدعائه الموصول بین الأرض والسماء، فلا یقتصر على العمل دون الدعاء، ولا یرتقی سلم الدعاء دون جناح العمل، فالید الممدودة الى السماء لابد أن تضرب بجِرانها أرض العمل، حتى تخضّر ویستنزل بها الأفراح ویدفع بها الأتراح.

هذا النسغ الصاعد والنازل للعمل والدعاء، بین الأرض والسماء، یمنهج حرکته ویضبط إیقاعه، کتاب "بصائر النور" الذی صدر عن بیت العلم للنابهین، فی بیروت، فی 172 صفحة من القطع المتوسط، من إعداد الکاتب الکویتی الشیخ عبد العزیز عبد الله الحبیب، حیث وجد فی المقدمة التی کتبها الفقیه الدکتور محمد صادق محمد الکرباسی لکتاب "الصحیفة الحسینیة" ضمن مجلدات دائرة المعارف الحسینیة، منهاجا ینفتح على الأدعیة وشروط استجابتها، والمعوقات التی تحول دون تحققها على مستوى الفرد أو الأمة، فراجع المقدمة تارکا بعض نفحاته علیها، إذ یرى: "أن الدعاء وسیلة من وسائل معرفة الله جل وعلا، فإذا ما خرج من قلب العارف، فانه یصنع المعاجز، ویفتح آفاق المعارف".

وکان الشیخ الحبیب، منذ أمید بعید یفکر فی دراسة موضوعیة شافیة وافیة، عن الدعاء، دون أن یسرح بالإنسان فی عالم لا متناه من الآمال وأحلام الیقظة، ودون أن یرکس به فی عالم لا قعر له من الخوف والوجل، فلما اطلع على الکتاب: "وجدته وافیا بالغرض رغم إیجازه المتعمد، حیث ینتهج المؤلف منهج الاختزال، الذی یخال لی أنه اکتسبه من أدب القرآن والحدیث" وعند الحبیب أن المقدمة التی سبقت الأدعیة الواردة عن الامام الحسین (ع): "تعد فی الواقع مفتاحا لکل من یرید أن یطلع على الأدعیة بالإجمال أو یمارس تلاوة الدعاء ویعرف آدابه وشروط استجابته، الى جانب الأمور التی تقف حائلا بین الداعی والاستجابة، بالإضافة الى معرفة حقیقة الدعاء وآثاره وعلاقته بالإنسان ومسیرة حیاته، ومدى ارتباطه بالحضارة وبالعلوم الحدیثة، وما الى ذلک من أمور یمکن أن یطلق علیها بعلوم الدعاء".

وتعود أهمیة الدعاء کما یرى الشیخ الکرباسی، الى کونه من معالم علاقة الفرد بخالقه، وهی واحدة من علاقات ست عالجها الإسلام فی إطار التشریع، الى جانب: علاقة الفرد بنفسه، وعلاقة الفرد بفرد آخر، وعلاقة الفرد بالمجتمع، وعلاقة الفرد بالدولة، وعلاقة الفرد بالبیئة. فهذه العلاقات تحدد حرکة الانسان فی الحیاة الدنیا موصولة بتطلعاته الى الحیاة الآخرة، وحتى الذین لا یؤمنون بالله، فإنهم لا یخرجون فی تعاملاتهم عن العلاقات الخمس الباقیة، لان اجتماع البشر ودیمومة الحیاة قائمة علیها. بید أن اللامنتمی او اللادینی، فانه هو الآخر عند الملمات یتوجه الى قوة یستمد منها العون، لا یعرفها، ولکن فطرته تدل علیها، لان الفطرة فی ساعة شعور متجردة عن رین الدنیا ومشاغلها، تستقبل موجاتها ذبذبات الأحد الصمد الذین بیده مصائر العباد والبلاد.

وهذه الذبذبات تنقل رسائل خاصة الى مرکز القوة تستمد منه العون، یعبر عنها الکرباسی بالرمز الذی: "یستخدمه العبد فی اتصالاته بالرب فبدونه لا ترتبط الذبذبات اللاسلکیة ولا تتصل الأمواج الروحیة بالعالم العلوی للتحاور وعرض الطلب" ، فالدعاء وسیلة التحدث مع القوة العظمى، وهو: "حالة روحیة، بل حالة من التجلی الروحی العمیق تحصل للإنسان من خلالها رؤیة تزیل عنه الجهل بالله، وهو أعمق من مجرد تردید بعض العبارات وتکرار الجمل، انه اذاً اتصال حقیقی بالله".

ولیس الدعاء بدیلا عن العمل، ولکنه عامل نفسی مساعد الى درجة کبیرة، کما انه لیس بدیلا عن الطب، ولکنه یساعد على الانبساط النفسی المساعد بشکل کبیر فی کثیر من الأمراض النفسیة والعضویة، وهذا ما یبحثه المؤلف تحت عنوان "فوائد الدعاء وآثاره" ، فمن أثاره: المساعدة فی الشفاء وفی الراحة والطمأنینة، وفی الحصانة من وقوع البلاء. کما إن الدعاء حسب ما یرى المصنف، یجلب للداعی "الشعور بالعز" لتوجهه الى من لا یخیب عنده السؤال، والتجائه الى صاحب "القدرة المطلقة"، وقد أوحى الله الى نبیه عیسى بن مریم (ع): (أدعنی دعاء الحزین الغریق الذی لیس له مغیب، یا عیسى سلنی ولا تسأل غیری فیحسن منک الدعاء ومنی الإجابة).

وقد یظن البعض أن الدعاء موقوف على طلب الحاجة او دفع ملمة فحسب، ولکن الواقع غیر ذلک، وهذا ما یبینه المؤلف تحت عنوان "حدود الدعاء" فیرى أن الدعاء ینطوی على عدد من العلوم أودعها الرسول (ص) وأهل بیته (ع) فی مطاویها. على أن من "آداب الدعاء": الکون على الطهارة، واستقبال القبلة، وعدم الجهر بالدعاء، واختیار الزمان، واختیار المکان، والتصریح بالحاجة، والبدء بالبسملة وتقدیم الدعاء بالتحمید والتمجید، وتقدیم الصدقة، والدعاء بالمأثور، أی بما جاء فی القرآن الکریم ومن کلمات الله القدسیة وما صدر عن الرسول (ص) وأهل بیته الکرام (ع)، واتخاذ الوسیلة، والتضرع والرقة، وتعمیم الدعاء، وعدم الاقتصار على الذات، ورفع الیدین، عند الدعاء، والتزین، باستخدام الطیب والسواک وقص الشعر وتسریحه وتنظیفه أو تدهینه والتختم ببعض الأحجار الکریمة، ومن الآداب التجمع عند الدعاء، والابتعاد عن اللحن.

کما إن لکل عمل شروطه، کذلک هناک "شرائط استجابة الدعاء"، من ذلک: أن یکون الطلب مشروعا، والمبادرة بالعمل، فلا یصح الدعاء دون العمل، ومن الاستجابة الصلاة على محمد وآله، والخلوص فی الدعاء، والإلحاح والإصرار، والتهیؤ النفسی، والتوجه الى الله، والتقوى.

فی المقابل، فان "عوامل عدم استجابة الدعاء" غیر قلیلة، إذ لا یمکن توقع الاستجابة بنقض الشروط، مثل ما لا یستطیع المرء استقبال الإشارة الضوئیة او الصوتیة بانعدام الوسیط، ومن تلک العوامل: عدم الوفاء بالعهد، ومخالفة القوانین الکونیة، ونقض شروط الدعاء، وعدم توفر الأرضیة المناسبة، والخطأ فی الاتجاه، والتناقض بین الأدعیة، واقتراف الذنوب، واستعجال الإجابة، وسبق الأمور، والتقاعس، وعدم مصلحة الداعی.

وتحت عنوان "أدب الدعاء وأسلوبه" یجری المصنف دراسة تحلیلیة للأدعیة الواردة فی القرآن والمرویة عن النبی (ص) وأهل بیته (ع)، فیلاحظ المصنف:  "أن الدعاء الصادر عن الرسول (ص) وأهل بیته (ع) له نکهة توازی نکهة ما نزل من السماء، حیث أنها صدرت من خریجی مدرسة واحدة، وهذا الأسلوب الأدبی الخاص بهم هو الذی یجعلنا نمیز به الأصیل عن الدخیل". ولأنها: "تحمل مضامین الوحی، فلذلک عبروا عنها بأسماء الکتب السماویة المنزلة على الأنبیاء التی ذکر القرآن منها: الإنجیل والتوراة والزبور والصحف". کما إن دعاء المعصومین یکون على الدوام مقرونا بالعمل، وهذا ما یشیر الیه الشیخ الحبیب فی تعلیقه على الأدعیة الواردة عن أهل البیت (ع)، فمن: "أدعیة الرسول (ص) بل وآله (ع) یمکن الاستشعار بأنهم یعملون ویدعون، إذ یقرنون أعمالهم بالدعاء، ولم یتوانوا من نصرة الحق فی أصعب الظروف، کما لا ینسوا الابتهال الى الله جل وعلا، وهذا درس عملی لکل من یرید أتباع الحق".

ویستعرض المصنف نماذج من أدعیة القرآن، ومن أدعیة الوحی (الحدیث القدسی) وأدعیة النبی (ص) وأدعیة أهل بیته (ع) بدءاً من الزهراء (ع) وانتهاءاً بالحجة المنتظر (ع)، ولاحظ من خلال الاستعراض، أن فی الأدعیة اتجاهین:

الأول: الاتجاه اللفظی، حیث یفضل الذوق السلیم: "أن تستخدم الکلمات اللینة ذات الترکیبة الحروفیة الخفیفة فی مقام الطلب والسؤال وما فی فلکیهما، کما یفضل أن تستعمل المفردات القاسیة المرکبة من الحروف ذات الوقعة القویة فی مقام النهی والانزجار وما شابههما"، ولذلک فان الدعاء المأثور عن النبی وأهل بیته (ع): "فی مجمله روعی فیه اختیار الکلمات ذات الترکیبة المناسبة والمنسجمة مع المعنى المراد، مضافا الى الوقع والسجع اللذین هما ظاهرتان من ظواهر الأدب عند أهل البیت (ع) المستلهم من القرآن الکریم".

الثانی: الاتجاه المعنوی، الذی تتداخل فیه الأفکار والأحاسیس وبدائع البیان، لیعکس الوجود، ولذلک فان تعلیم المعصومین هذه الأدعیة للسائل هی: "بمثابة إسعاف له الى اقرب الطرق الکفیلة للنظر فی طلباته واستجابة دعواته، فالتعبیر العاطفی الذی استخدموه فی طیات هذه الأدعیة لیس له مثیل فی تاریخ الأدب العربی". وما یصطبغ أدعیة أهل البیت (ع): "إنهم یغلبون غفرانه على عقابه، ورحمته على عذابه، مما یدلنا على أن الله فتح لنا باب الغفران على مصراعیه، وکاد أن یوصد باب عقابه للطفه بعباده".

وتحت عنوان "مع الدعاء فی بعض معانیه"، یرى المصنف أن الدعاء یمر عبر ثلاث قنوات: الاستغاثة ورجاء الخیر وطلب الشر. والأعم فیها الاستغاثة، ثم طلب الخیر للذات او للآخرین، وطلب الشر او الدعاء على من یستوجب السخط. ووضع جدولا بالآیات القرآنیة الظاهرة فی الدعاء او جرت مجرى الدعاء ضمن القنوات الثلاث.

ولا یخرج الدعاء عن دائرة العبادة، ولذلک فان المصنف تحت عنوان "بین العبادة والدعاء" یرى انه: "أبرز مصادیق العبادة من جهة، وأولى العبادات الفطریة من جهة أخرى، ونعنى بالأولى أنها عبادة لم تسبقها عبادة أخرى بمقتضى التسلسل الزمنی، ونعنی فطری أنه لا یحتاج الى أن ینتظر العبد الأوامر من قبل الله لان یلتجئ الیه، ویدعوه بحوائجه ویعرض علیه مآسیه"، کما إن الدعاء هو: "إحدى المشترکات بین الموحدین من الدیانات، بل بین البشریة جمعاء سواء من حیث یشعرون أو لا یشعرون، ومن هنا یأتی فضل الدعاء على سائر العبادات، حیث یروى عن الرسول (ص) أنه قال: أفضل العبادة الدعاء، وإذا أذن الله لعبد فی الدعاء فتح له أبواب الرحمة، انه لن یهلک مع الدعاء احد".

ولا شک أن القارئ للأدعیة المأثورة، یرى نزول المعصوم منزلة الانسان المذنب أمام ربه المنعم، وهذا احد أنماط التعلیم التربوی یمارسه المعصوم، آخذا بید الانسان الظامئ الى غدیر ربه یغترف بدلو التوبة عذب الغفران والرحمة، إذ یقتضى أدب الحوار مع الرب وأدب الدعاء مثل هذا النمط من المأثور، وإلا فان النبی (ص) أدبه ربه فأحسن تأدیبه، وانه لعلى خلق عظیم، ومثل ذلک أهل بیته (ع) الذین أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهیرا، بید أن تعلیم الأصحاب والأتباع یقتضی مثل هذا النزول والتنازل عن الذات الإنسیة فی حضرة الذات الإلهیة.

وفی نهایة بحث الدعاء، یتطرق المصنف الى موضوعات أربعة لها علاقة بالدعاء، الأولى "کلمة المشیئة" أی قول (إن شاء الله) بین من یکتبها بضم الحرف الى الفعل فتصبح (إنشاء الله)، ومن یفصل بینهما، ولا یرى المؤلف بأسا من استخدام الصیغتین. ویتطرق الى جمع الأم (الوالدة) فمن یجمعها على أمّات ومن یجمعها على أمّهات، ویذهب مذهب من یرون أن أمهات جمع أم مختص بذوات العقول، وأمات جمع أم مختص بغیر ذوات العقول. ویتحدث عن الرسم القرآنی، فیرى فیه انه من حیث الزمن متأخر عن نزول القرآن وهو من الخطوط المنسوبة الى أهل الکوفة والبصرة والحجاز وغیرهم، فلیست کالقرآن لا یجوز تجاوز نصوصه، وفیما یتعلق بالدعاء، فان المصنف یفضل فی باب الدعاء استخدام: "الرسم القرآنی لکونه من الآثار الاسلامیة وقرب الدعاء من القرآن فله إیحاءاته وخصوصیاته". کما بحث "قلب الهمزة یاءً" کما هو المستخدم فی الأدعیة کبدیل عن الهمزة، والیاء عنده إحدى القراءات البدیلة عن الهمزة مثل أیمة کبدیل عن أئمة.